وهم الذين وقع عليهم الاستثناء الثاني ؛ كأنه قال تعالى: {فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} ألا يخلده فيها ، وهم الخارجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإيمانهم وبشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فهم بدخولهم النار يسمون الأشقياء ، وبدخولهم الجنة يسمون السعداء ؛ كما روى الضّحّاك عن ابن عباس إذ قال: الذين سعِدوا شَقُوا بدخول النار ثم سعِدوا بالخروج منها ودخولهم الجنة.
وقرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي"وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا"بضم السين.
وقال أبو عمرو: والدليل على أنه سَعِدوا أن الأول شَقُوا ولم يقل أشقوا.
قال النحاس: ورأيت عليّ بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائيّ"سُعِدوا"مع علمه بالعربية! إذ كان هذا لحناً لا يجوز ؛ لأنه إنما يقال: سَعِد فلان وأسعده الله ، وأسعد مثل أُمرِض ؛ وإنما احتج الكسائي بقولهم: مسعود ولا حجة له فيه ؛ لأنه يقال: مكان مسعود فيه ، ثم يحذف فيه ويسمى به.
قال المهدوي: ومن ضمّ السين من"سعدوا"فهو محمول على قولهم: مسعود وهو شاذ قليل ؛ لأنه لا يقال: سعده الله ، إنما يقال: أسعده الله.
وقال الثعلبي:"سُعِدوا"بضم السين أي رزقوا السعادة ؛ يقال: سُعِد وأسعِد بمعنى واحد وقرأ الباقون"سَعدوا"بفتح السين قياساً على"شَقُوا"واختاره أبو عبيد وأبو حاتم.
وقال الجوهري: والسعادة خلاف الشّقاوة ؛ تقول: منه سَعِد الرجل بالكسر فهو سعيد ، مثل سَلِم فهو سليم ، وسعُد فهو مسعود ؛ ولا يقال فيه: مُسْعَد ، كأنهم استغنوا عنه بمسعود.
وقال القشيريّ أبو نصر عبد الرحيم: وقد ورد سَعَده الله فهو مسعود ، وأسعده الله فهو مسعَد ؛ فهذا يقوي قول الكوفيين.
وقال سيبويه: لا يقال سُعِد فلان كما لا يقال شُقي فلان ؛ لأنه مما لا يتعدى.