قلت: فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض المعهودتين في الدنيا واختاره التّرمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي ، أي خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض ، وذلك مدّة العالم ، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه ، وهو قوله سبحانه: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ} [إبراهيم: 48] فخلق الله سبحانه الآدميين وعاملهم ، واشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة ، وعلى ذلك بايعهم يوم الميثاق ، فمن وفّى بذلك العهد فله الجنة ، ومن ذهب برقبته يخلّد في النار بمقدار دوام السماوات والأرض ؛ فإنما دامتا للمعاملة ؛ وكذلك أهل الجنة خلود في الجنة بمقدار ذلك ؛ فإذا تمت هذه المعاملة وقع الجميع في مشيئة الله ؛ قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق} [الدخان: 38 39] فيخلّد أهل الدارين بمقدار دوامهما ، وهو حق الربوبية بذلك المقدار من العظمة ؛ ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين لحقّ الأحديّة ، فمن لقيه موحّداً لأحديته بقي في داره أبداً ، ومن لقيه مشركاً بأحديّته إلهاً بقي في السجن أبداً ؛ فأعلم الله العباد مقدار الخلود ، ثم قال:"إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ"من زيادة المدّة التي تعجز القلوب عن إدراكها لأنه لا غاية لها ؛ فبالاعتقاد دام خلودهم في الدارين أبداً.
وقد قيل: إن"إلا"بمعنى الواو ، قاله الفراء وبعض أهل النظر وهو الثامن والمعنى: وما شاء ربك من الزيادة في الخلود على مدّة دوام السماوات والأرض في الدنيا.
وقد قيل في قوله تعالى: {إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ} [البقرة: 150] أي ولا الذين ظلموا.
وقال الشاعر:
وكلُّ أخٍ مفارقُه أخوه ...
لعَمرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدان
أي والفرقدان.
وقال أبو محمد مكيّ: وهذا قول بعيد عند البصريين أن تكون"إلا"بمعنى الواو ، وقد مضى في"البقرة"بيانه.