وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحُمَمَة أخرجوا منها ودخلوا الجنة فيقال هؤلاء الجهنميون"وقد تقدّم هذا المعنى في"النساء"وغيرها.
الثالث: أن الاستثناء من الزَّفير والشَّهيق ؛ أي لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب الذي لم يذكره ، وكذلك لأهل الجنة من النعيم ما ذكر ، وما لم يذكر.
حكاه ابن الأنباري.
الرابع: قال ابن مسعود:"خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَواتُ وَالأَرْضُ"لا يموتون فيها ، ولا يخرجون منها {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم ، ثم يجدد خلقهم.
قلت: وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل ، وتجديد الخلق.
الخامس: أن"إلا"بمعنى"سوى"كما تقول في الكلام: ما معي رجل إلاّ زيد ، ولي عليك ألفا درهم إلا الألف التي لي عليك.
قيل: فالمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود.
السادس: أنه استثناء من الإخراج ، وهو لا يريد أن يخرجهم منها.
كما تقول في الكلام: أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره ، وأنت مقيم على ذلك الفعل ؛ فالمعنى أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم ، ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها ، ذكر هذين القولين الزّجاج عن أهل اللغة ، قال: ولأهل المعاني قولان آخران ، فأحد القولين:"خَالِدينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ"من مقدار موقفهم على رأس قبورهم ، وللمحاسبة ، وقدر مكثهم في الدنيا ، والبرزخ ، والوقوف للحساب.
والقول الآخر: وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب ، وتقديره:"خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ"من زيادة النعيم لأهل النعيم ، وزيادة العذاب لأهل الجحيم.