وفيه إضمار ؛ أي لا تتكلم فيه نفس إلا بالمأذون فيه من حسن الكلام ؛ لأنهم ملجئون إلى ترك القبيح.
وقيل: المعنى لا تكلم بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه.
وقيل: إن لهم في الموقف وقتاً يمنعون فيه من الكلام إلا بإذنه.
وهذه الآية أكثر ما يسأل عنها أهل الإلحاد في الدِّين.
فيقول لمَ قال: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} و {هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 35 36] وقال في موضع من ذكر القيامة: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} [الصافات: 27] .
وقال: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} [النحل: 11] .
وقال: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24] .
وقال: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 39] .
والجواب ما ذكرناه ، وأنهم لا ينطقون بحجة تجب لهم وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم ، ولوم بعضهم بعضاً ، وطرح بعضهم الذنوب على بعض ؛ فأما التكلم والنطق بحجة لهم فلا ؛ وهذا كما تقول للذي يخاطبك كثيراً ، وخطابه فارغ عن الحجة: ما تكلمت بشيء ، وما نطقت بشيء ، فسمّي من يتكلم بلا حجة فيه له غير متكلم.
وقال قوم: ذلك اليوم طويل ، وله مواطن ومواقف في بعضها يمنعون من الكلام ، وفي بعضها يطلق لهم الكلام ؛ فهذا يدلّ على أنه لا تتكلم نفس إلا بإذنه.
{فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} أي من الأنفس ، أو من الناس ؛ وقد ذَكَرهم في قوله: {يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس} .
والشقي الذي كتبت عليه الشَّقاوة.
والسّعيد الذي كتبت عليه السّعادة ؛ قال لَبيد:
فمنهم سعيدٌ آخذ بنصِيبهِ ...
ومنهم شَقيٌّ بالمعيشةِ قانع