الإصلاح العام للحياة والمجتمع الذي يعود صلاحه بالخير على كل فرد وكل جماعة فيه ؛ وإن خيل إلى بعضهم أن اتباع العقيدة والخلق يفوت بعض الكسب الشخصي ، ويضيع بعض الفرص. فإنما يفوت الكسب الخبيث ويضيع الفرص القذرة ؛ ويعوض عنهما كسباً طيباً ورزقاً حلالاً ، ومجتمعاً متضامناً متعاوناً لا حقد فيه ولا غدر ولا خصام!
{وما توفيقي إلا بالله} ..
فهو القادر على إنجاح مسعاي في الإصلاح بما يعلم من نيتي ، وبما يجزي على جهدي.
{عليه توكلت} ..
عليه وحده لا أعتمد على غيره.
{وإليه أنيب} ..
إليه وحده أرجع فيما يحزبني من الأمور ، وإليه وحده أتوجه بنيتي وعملي ومسعاي.
ثم يأخذ بهم في واد آخر من التذكير ، فيطل بهم على مصارع قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط: فقد يفعل هذا في مثل تلك القلوب الجاسية ما لم يفعله التوجيه العقلي اللين الذي يحتاج إلى رشد وتفكير: {ويا قوم لا يجرمنَّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح. وما قوم لوط منكم ببعيد} ..
لا يحملنكم الخلاف معي والعناد في مواجهتي على أن تلجوا في التكذيب والمخالفة ، خشية أن يصيبكم ما أصاب الأقوام قبلكم. وهؤلاء قوم لوط قريب منكم في المكان. وقريب كذلك في الزمان. فمدين كانت بين الحجاز والشام.
ثم يفتح لهم وهم في مواجهة العذاب والهلاك باب المغفرة والتوبة ، ويطمعهم في رحمة الله والقرب منه بأرق الألفاظ وأحناها:
{واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه ، إن ربي رحيم ودود} .. وهكذا يطوف بهم في مجالات العظة والتذكر والخوف والطمع ، لعل قلوبهم تتفتح وتخشع وتلين.
ولكن القوم كانوا قد بلغوا من فساد القلوب ، ومن سوء تقدير القيم في الحياة ، وسوء التصور لدوافع العمل والسلوك ، ما كشف عنه تبجحهم من قبل بالسخرية والتكذيب:
{قالوا: يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول ، وإنا لنراك فينا ضعيفاً ، ولولا رهطك لرجمناك ، وما أنت علينا بعزيز} .