وبخس الناس أشياءهم فوق أنه ظلم يشيع في نفوس الناس مشاعر سيئة من الألم أو الحقد ، أو اليأس من العدل والخير وحسن التقدير.. وكلها مشاعر تفسد جو الحياة والتعامل والروابط الاجتماعية والنفوس والضمائر ، ولا تبقى على شيء صالح في الحياة.
{ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ..
والعثو هو الإفساد ، فلا تفسدوا متعمدين الإفساد ، قاصدين إلى تحقيقه. ثم يوقظ وجدانهم إلى خير أبقى من ذلك الكسب الدنس الذي يحصلون عليه بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم في التقدير:
{بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين} ..
فما عند الله أبقى وأفضل.. وقد دعاهم في أول حديثه إلى عبادة الله وحده أي الدينونة له بلا شريك فهو يذكرهم بها هنا ، مع ذكر الخير الباقي لهم عند الله إن آمنوا كما دعاهم ، واتبعوا نصيحته في المعاملات. وهي فرع عن ذلك الإيمان.
بقية الله خير لكم.
.إن كنتم مؤمنين..
ثم يخلي بينهم وبين الله الذي دعاهم إليه ، ويبين لهم أنه لا يملك لهم شيئاً ، كما أنه ليس موكلاً بحفظهم من الشر والعذاب. وليس موكلاً كذلك بحفظهم من الضلال ولا مسؤولاً عنهم إن هم ضلوا ، إنما عليه البلاغ وقد أداه:
{وما أنا عليكم بحفيظ} ..
ومثل هذا الأسلوب يشعر المخاطبين بخطورة الأمر ، وبثقل التبعة ، ويقفهم وجهاً لوجه أمام العاقبة بلا وسيط ولا حفيظ.
ولكن القوم كانوا قد عتوا ومردوا على الانحراف والفساد ، وسوء الاستغلال:
{قالوا. يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ، أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ إنك لأنت الحليم الرشيد!} ..
وهو رد واضح التهكم ، بيّن السخرية في كل مقطع من مقاطعة. وإن كانت سخرية الجاهل المطموس ، والمعاند بلا معرفة ولا فقه.
{أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟} ..