ثم أخبر تعالى عن صفات الإنسان الذميمة إلا من رحم الله من عباده المؤمنين: أنه إذا أعطاه الله نعمة من صحة ورزق وأمن وولد بارّ، رحمة منه، ثم سلبه تلك النعمة، وأبدله بها نقمة من مرض أو فقر أو خوف أو موت أو كارثة، أضحى شديد اليأس من رحمة ربه، كثير الكفر والجحود للماضي ولما عليه من نعم أخرى، فهو قانط بالنسبة للمستقبل، جاحد لماضي الحال كأنه لم ير خيرا، ولما عليه الآن من النعم، وذلك لعدم التزامه بفضيلة الصبر والشكر.
وإن أعطاه الله نعمة من بعد ضراء، كشفاء من مرض، وقوة من بعد ضعف، ويسر من بعد عسر، لقال: ذهب ما كان يسوؤني من المصائب، ولن
ينالي بعد اليوم ضيم ولا سوء، وأصبح شديد الفرح والبط بتلك النعمة أو بما في يده، متفاخرا متعاظما على غيره، محتقرا من دونه.
فهو في موقفه هذا لا يقابل النعمة بالشكر عليها، بل يبطر ويفخر على الناس، ولا يواسي البائس الفقير.
ويلاحظ أنه عبر في حال النعمة بقوله: أَذَقْنَا والذوق: إدراك الطعم، ليدل على التمتيع بالنعمة بأقل أوصافها، وفي حال الضراء بقوله:
مَسَّتْهُ والمس: مبدأ الوصول، ليشعر بأن الضر في أقل مرتبة من الإصابة.
وهناك مقابلة بين التعبير ب أَذَقْنَا الذي يفيد اللذة والاغتباط، وقوله: نَزَعْناها الذي يفيد شدة تعلقه بالنعمة والحرص عليها.
وكل هذا يدل على أن في الإنسان طبائع سيئة وأمراضا فتاكة وهي اليأس من رحمة الله والكفر بنعمته، والبطر والفخر والتكبير، ولا علاج لها إلا بالصبر والإيمان والرضا بالقضاء والقدر.
والمراد بالإنسان مطلق الإنسان بدليل استثناء الصابرين الذين يعملون الصالحات منه بقوله: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فثبت أن المقصود بالإنسان المؤمن والكافر. وحينئذ يكون الإنسان شاملا المؤمن والكافر، والاستثناء متصل، قال القرطبي: وهو حسن.