أي: بل أيقول هؤلاء المشركون من أهل مكَّة: إنَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد افترَى هذا القرآن واختلقَه من عند نفسه، {قُلْ} لهم يا محمَّد في جواب مقَالَتِهم هذه، ورَدِّها إن كانَ الأَمْرُ كما تزعمون {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} ؛ أي: مثل القرآن في البلاغة، وحُسْنِ النَّظْمِ، وجزالة اللفظ، وفَخامةِ المعاني، ووصَفَ السُّورَ بما يوصف به المفرد، فقال: {مِثْلِهِ} ولم يقل: أمثالِه؛ لأنَّ المرادَ: مماثَلَة كلِّ واحد من السور، أو لقصد الإيماء إلى وَجْه الشبه، ومدارةِ المماثلة في شيء واحد، وهو البلاغة البالغة إلى حد الإعجاز، وهذا: إنما هو على القول بأنَّ المطابقةَ في الجمع، والتثنية، والإفراد، شرطٌ، ذَكَرَه الشوكاني، أي: بعشر سور مماثلة للقرآن في ذلك {مُفْتَرَيَاتٍ} ؛ أي: مختلفات من عند أنفسكم, لا تدَّعُون أنها من عند الله تعالى، فإنكم أهلُ اللَّسَنِ والبيان، والمران على المفاخرة بالفصاحة، والبلاغة، وفنون الشعر، والخَطابة، ولَم يسبِقْ لي مع العمر الطويل الذي عشته بينكم أنْ أُزاوِل شيئًا من ذلك، فإن كَانَ من كلام البشر، فأنتم على مثله أقْدَرُ، وإنكم لتعلمون أني لم أكذب على بشر قط، فكيف أَفْتَرِى على الله؟
{و} إنْ زعمتم أنَّ لي من يعينني على تأليفِهِ ووصْفِه، فـ {ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ} ممن تعبدون {مِنْ دُونِ اللَّهِ} تعالى، ومِنْ سَائِرِ خلقه لِيُسَاعدوكم على الإتيان بهذه السور العشر، ولتكن مِثلَه مفترياتٍ تشملُ على مثل ما فيه من تشريع دينيٍّ، ومَدَنيٍّ، وحكم ومواعظ، وآداب، وأَنْباء غيبية إخبارًا عن ماض، وأنباء غيبية. إخبارًا عن مستقبل بمثل هذا النظام البديع، والأسلوب البالغ حَدَّ الإعجاز، والبلاغَةِ الساحِرَة للألباب، والسلطان الحَاكِم على الأنفس والأرواح {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في ادعاءِ كونِ القرآن مفترًى على الله تعالى.