أيْ: خَلَقَ هذه المخلوقات ليبتليَ عِبَادَهُ بالاعتبار، والتفكر، والاستدلال على كمال قدرته, وعلى البعث، والجزاء أيهم أحسنُ عملًا، فيما أُمِر به، ونهي عنه، فيجازي المحسنَ بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، ويُوفِّر الجزاءَ لِمَنْ كان أَحْسن عملًا من غيره، وَيدْخُل في العمل الاعتقاد؛ لأنه من أعمال القلب، وقيل: المراد بالأحسن عملًا الأتمُّ عقلًا، وقيل: الأزْهَدُ في الدنيا، وقيل: الأكثر شكرًا، وقيل: الأتْقَى لله.
أي: ليجعلَ ذلك ابتلاءً واختبارًا لكم فيظهرَ أيكم أحسنُ إتقانًا لما يعمله لنفسه، وللناس، ذاك أنه تعالى سَخَّر لنا ما في الأرض، وجعلنا مستعدينَ لإبرازِ ما أَوْدَعَه فيها من منافعَ وفوائدَ ماديةٍ ومعنويةٍ، ومستعدِّين للإفساد، والضرر ليجزيَ كل عامل بما يعمل، ثمَّ لما كان الابتلاء يتضمَّن حديثَ البعث، أَتْبَعَ ذلك بذكره، فقال: {وَلَئِنْ قُلْتَ} ؛ أي: وعزتي وجَلالي، لئن قُلْتَ: يا محمَّد لهؤلاء الكفار من قومك على ما توجبه قضيَّة الابتلاء {إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ} للحساب، والجزاء، فيُجَازَى المحسنُ بإحسانه، والمسيءُ بإساءته، وقرأ عيسى الثقفي: {ولئن قُلتُ} بضم التاء إخبارًا عنه تعالى، والمعنى عليه: ولئن قلتُ مستدلًا على البعث من بعد الموت إذ في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ} دلالةٌ على القدرة العظيمةِ فمَنْ أخْبَر بوقوع ممكنٍ وَقَعَ لا محالةَ، وقد أَخْبَرَ بالبعث، فوجب قبولُهُ وتيقُّنُ وقوعه.
وكسرت إن مِنْ قوله: {إِنَّكُمْ} لأنها وقعت بعد القول، وحكى سيبويه الفتحَ على تضمينِ قُلْتَ بمعنى: ذكرتَ أو على أنَّ (إن) بمعنى لعلَّ؛ أي: ولئن قلت: لعلكم مبعوثون على أن الرَّجاء باعتبار حال المخاطبين؛ أي: توقَّعوا ذلك، ولا تَبتُّوا القولَ بإنكاره.