هَذَا الِاصْطِلَاحُ الْمُفَصِّلُ لِهَذِهِ الْحِكَايَاتِ فِيهِ مَا تَرَى - فِي كُتُبِ الْأُصُولِ - مِنْ قِيلَ وَقَالَ ، وَمَذَاهِبَ وَجِدَالٍ ، وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ فِي بَالِ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ عِنْدَ قِرَاءَاتِهَا فِي كِتَابِ اللهِ - تَعَالَى - بَلْ كَانُوا يَفْهَمُونَهَا بِمَدْلُولِهَا اللُّغَوِيِّ الْمَحْضِ ، فَأَمَّا الْمُحْكَمُ فَهُوَ مَا تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فِي الْآيَةِ فَقَدْ جَاءَ مُكَرَّرًا فِي أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَوْضِعًا مِنْ عَشْرِ سُوَرٍ مَكِّيَّةٍ ، وَفِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ الْمَدَنِيَّةِ ، وَأَكْثَرُهَا فِي تَفْصِيلِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ ، وَبَعْضُهَا فِي تَفْصِيلِ الْكِتَابِ ، وَبَعْضٌ آخَرُ فِي تَفْصِيلِ الْأَحْكَامِ ، وَنَوْعٌ آخَرُ أَعَمُّ وَهُوَ (تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِدَايَةِ الدِّينِ ، وَإِصْلَاحِ أُمُورِ الْمُكَلَّفِينَ ، وَكُلُّهَا دَاخِلٌ فِي الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الَّذِي حَرَّرْنَاهُ .
بَقِيَ عَلَيْنَا الْمَأْثُورُ فِي الْكَلِمَتَيْنِ عَنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ ، وَهُوَ قَلِيلٌ مُخْتَصَرٌ ، فَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ (قَالَ) : إِنَّهَا كُلَّهَا مَكِّيَّةٌ مُحْكَمَةٌ ، وَإِنَّ التَّفْصِيلَ فِيهَا هُوَ الْحُكْمُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ خَالَفَهُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ) (24) الْآيَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْمَ نُوحٍ وَقَوْمَ هُودٍ (قَالَ) : فَكَانَ هَذَا تَفْصِيلَ ذَلِكَ وَكَانَ أَوَّلُهُ مُحْكَمًا ، انْتَهَى .