وحاصله حين يأوون إلى فراشهم ويلتحفون بما يلتحف به النائم ، وهو وقت كثيراً ما يقع فيه حديث النفس عادة ، وعن ابن شداد حين يتغطون بثيابهم للاستخفاء ، وأياً ما كان فالمراد من الثياب معناه الحقيقي وقيل: المراد به الليل وهو يستر كما تستر الثياب ، ومن ذلك قولهم: الليل أخفى للويل ، والظرف متعلق بقوله سبحانه: {يَعْلَمْ} أي ألا يعلم {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} حين يستغشون ثيابهم ؛ ولا يلزم منه تقييد علم الله تعالى بذلك الوقت لأن من يعلم فيه يعلم في غيره بالطريق الأولى ، وجوز تعلقه بمحذوف وقدره السمين.
وأبو البقاء يستخفون وبعضهم يريدون ، و {مَا} في الموضعين إما مصدرية أو موصولة عائدها محذوف أي الذي يسرونه في قلوبهم والذي يعلنونه أي شيء كان ويدخل ما يقتضيه السياق دخولاً أولياً ، وخصه بعضهم به ، وقدم هنا السر على العلن نعياً عليهم من أول الأمر ما صنعوا وإيذاناً بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه وتحقيقاً للمساواة بين العلمين على أبلغ وجه فكأن علمه سبحانه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه ، وحاصل المعنى يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سرهم وعلنهم فكيف يخفى عليه سبحانه ما عسى أن يظهروه.
وقرأ ابن عباس {على حِينِ يَسْتَغْشُونَ} قال ابن عطية: ومن هذا الاستعمال قول النابغة:
على حين عابت المشيب على الصبا...