هذا حال الكلاب في"بلخ: أي: أن الكلب إن أعطيته يهز ذيله ، وإن منعه أحد فهو يصبر ."
وسأل العبد الثاني العبد الأول:
وكيف حالكم أنتم؟
فقال: نحن إن أعطينا آثرنا ، وإن حُرِمنا شركنا .
إذن: فكل مؤمن يعيش في منهج الله سبحانه وتعالى فهو يستحضر في كل أمر مؤلم وفي كل أمر متعب ، أن له جزاءً على ما ناله من التعب ؛ ثواباً عظيماً خالداً من الله سبحانه وتعالى .
ولذلك يقول الحق سبحانه:
{يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً} [هود: 3] .
والحسن هنا له مقاييس ، يُقاس بها اعتبار الغاية ؛ فحين تضم الغاية إلى الفعل تعرف معنى الحسن .
ومثال ذلك: هو التلميذ الذي لا يترك كتبه ، بل حين ياتي وقت الطعام ، فهو يأكل وعيناه لا تفارقان الكتاب .
هذا التلميذ يستحضر متعة النجاح وحُسْنه ونعيم التفوق ، وهو تلميذ يشعر بالغاية وقت أداء الفعل .
ويقول الحق سبحانه في نفس الآية:
{وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 3] .
أي: يؤتى كل ذي فضل مجزول لمن لا فضل له ، فكأن الحق سبحانه يمنِّي الفضل للعبد .
ومثال ذلك: الفلاح الذي يأخذ من مخزن غلاله إردباً من القمح ليبذره في الأرض ؛ ليزيده الله سبحانه وتعالى بزراعة هذا الإردب ، ويصبح الناتج خمسة عشر إردباً .
والفضل هو الأجر الزائد عن مساويه ، فمثلاً هناك فضل المال قد يكون عندك ، أي: زائد عن حاجتك ، وغيرك لا يملك مالاً يكفيه ، فإن تفضلت ببعض من الزائد عندك ، وأعطيته لمن لا مال عنده فأنت تستثمر هذا العطاء عند الله سبحانه وتعالى .
والحق سبحانه وتعالى قد يعطيك قوة ، فتعطى ما يزيد منها لعبد ضعيف .
وقد يكون الحق سبحانه قد أسبغ عليك فضلاً من الحلم ، فتعطى منه لمن أصابه السفه وضيق الخلق .
إذن: فكل ما يوجد عند الإنسان من خصلة طيبة ليست عند غيره من الناس ، ويفيضها عليهم ، فهي تزيد عنده لأنها تربو عند الله ، وإن لم يُفِضْها على الغير فهي تنقص .
ولذلك يقول الحق سبحانه: