{وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ} (36) / [232/ل] [هود: 36] يحتج به من يرى تكليف ما لا يطاق، وتقريره أن نوحا أخبر أن قومه لم يؤمن في المستقبل أحد منهم، وخبر الله - عز وجل - صدق ومتعلقه جازم لا خلف فيه، ثم إنهم مع ذلك لم ينقطع الخطاب التكليفي عنهم، حينئذ هم مأمورون بالإيمان مع استحالة وقوعه منهم، وهو تكليف ما لا يطاق أو تكليف بالمحال، لا يقال: إن تعلق العلم والإخبار الإلهي بعد إيمانهم لا يوجب صيرورته منهم محالا؛ لأن العلم كاشف عن الحقائق لا مؤثر فيها، لأنا نقول: تعلق العلم بعدم إيمانهم يقتضي تعلق الإرادة والقدرة بذلك أيضا؛ لئلا تتنافى الصفات القديمة في متعلقاتها، وحينئذ يبقى إيمانهم خلاف المعلوم والمخبر به والمراد والمقدور، وذلك يوجب استحالته قطعا.
فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (38) [هود: 38] فيه جواز مقابلة الجاهل والأحمق ونحوهما بمثل فعله، ويشهد له النصوص نحو: {فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (194) [البقرة: 194] ، و {وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ} (40) [الشورى: 40] و {وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ} (126) [النحل: 126] وأشباهه.
{حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ} (40) [هود: 40] عام فيهم خص بالاستثناء بعده {إِلاّ مَنْ سَبَقَ} [هود: 40] وهو ابنه المذكور أنه غرق بعد.