وقرأ الكسائي (إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ) ، جعله فعلا ماضيا، وقرأ الباقون (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) ، وفي هذه القراءة وجهان:
أحدهما: أن يكون المعنى: إنه ذو عمل غير صالح، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
والثاني: أنه لما كثر منه ذلك أقام المصدر مقام اسم الفاعل، كما قالت الخنساء (13:
تَرْتَعُ مَا رَتَعتْ حَتَّى إِذا ادَّكَرَتْ، ... فإِنما هِيَ إِقْبَالٌ وإِدْبارُ
ومن كلام العرب: إنما أنت أكل وشرب.
وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم أن المعنى: إن سؤالك هذا عمل غير صالح، فعلى هذا
الوجه لا يكون في الكلام حذف.
قوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ)
يقال: أقلع السحابُ إذا ارتفع، وغاض الماء إذا غاب في الأرض، والجودى: جبل بناحية آمد، قال أمية:
سُبْحانَه ثُمَّ سُبْحاناً يَعُودُ لَهُ، ... وقَبْلَنا سَبَّح الجُودِيُّ والجُمُدُ
ومعنى (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) وقع إهلاك قوم نوح.
ونصب (بُعْدًا) على المصدر وفيه معنى الدعاء، ويجوز أن يكون من قول الله تعالى، ويجوز أن
يكون من قول المؤمنين.
وقد جمعت هذه الآية من عجيب البلاغة أشياء:
منها - أن الكلام خرج مخرج الأمر على جهة التعظيم لفاعله من نحو: كن فيكون، من غير معاناة
ولا لغوب.
ومنها - حسن البيان في تقدير الحال.
ومنها - الإيجاز من غير إخلال.
ومنها - تقبل الفهم على أتم الكمال.
إلى غير ذلك من المعاني اللطيفة، وقد رأيت في معنى هذه الآية في نصف سفر من أسفار
التوراة. وأنت تراها هاهنا في غاية الإيجاز والاختصار والبيان؛ ويروى أن كفار قريش لما تعاطوا
معارضة القرآن عكفوا على لباب البر ولحوم الضأن وسلاف الخمر أربعين يوماً، لتصفوا أذهانهم، وكانوا
من فصحاء العرب، وأخذوا فيما أرادوا، فلمَّا سمعوا هذه الآية قال بعضهم لبعض: هذا كلام لا يشبه
كلام المخلوقين وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى)
السلام في الكلام على أربعة أوجه: