أي وإِن كثيرًا من أهل مكة ومن غيرهم لغافلون، عن التفكير في آيات الله التي أَقامها أَو أَنزلها للفصل بين الحق والباطل لغافلون أَشد الغفلة، ساهون عن تدبر معانيها، والانتفاع بدلالاتها، ولو فعلوا لما ضلوا عن سواء السبيل.
{وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}
المفردات:
{بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} : أَنزلناهم مكانًا صالحًا آمنًا وأسكناهم فيه.
التفسير
بعد أَن ذكر القرآن الكريم إِنعام الله على بنى إِسرائيل بإنجائهم وإِهلاك عدوهم جاءَت هذه الآية لبيان أحوالهم وما أَفاض الله عليهم من نعمه الوفيرة وأنهم لم يقوموا بشكرها.
93 - {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ... } الآية.
يؤكد الله - تعالى - أَنه أَنزل بنى إِسرائيل بعد أَن أنجاهم من طغيان فرعون وجنوده،
وخلصهم من مطاردتهم - أنزلهم - مكانًا صالحًا مرضيا، وأرضًا يجدون فيها الأمن والطمأنينة، ومع تهيئة المكان الآمن رزقهم أرزاقًا طيبة، فأنزل عليهم المن والسلوى وأتم عليهم نعمته.
{فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} : أي ظل هؤلاءِ يرفلون في نعم الله عليهم فما اختلفوا في أمر دينهم وما عصوا رسولهم موسى - عليه السلام - إلى أن قرأوا التوراة وعرفوا أحكامها فاختلفوا في فهمها، وانقسموا فرقًا في تأْويلها، كل فرقة تدعى أنها هي التي على الحق دون سواها، ويجوز أن يكون المراد ببنى إِسرائيل الذين اختلفوا، هم اليهود الذين كانوا في زمن محمد - صلى الله عليه وسلم - وذلك أَنهم كانوا قبل مبعثه عالمين بقرب مبعثه مجمعين على نبوته، مما عرفوه عنه في كتبهم من البشارة به وبيان أحواله وصفاته، فلما بعث اختلفوا فمنهم من آمن به ومنهم من كفر بغيا وحسدا، كما قال - تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} .