قال النيسابوري: وفي تخصيص الإرادة بجانب الخير ، والمسّ بجانب الشرّ دليل على أن الخير يصدر عنه سبحانه بالذات ، والشرّ بالعرض.
قلت: وفي هذا نظر ، فإن المسّ هو أمر وراء الإرادة ، فهو مستلزم لها ، والضمير في {يصيب به} راجع إلى فضله: أي يصيب بفضله من يشاء من عباده.
وجملة: {وَهُوَ الغفور الرحيم} تذييلية.
ثم ختم هذه السورة بما يستدل به على قضائه وقدره ، فقال: {قُلْ يا أَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمُ الحق مِن رَّبّكُمْ} أي: القرآن {فَمَنُ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي: منفعة اهتدائه مختصة به ، وضرر كفره مقصور عليه لا يتعدّاه ، وليس لله حاجة في شيء من ذلك ، ولا غرض يعود إليه {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي: بحفيظ يحفظ أموركم ، وتوكل إليه ، إنما أنا بشير ونذير.
ثم أمره الله سبحانه أن يتبع ما أوحاه إليه من الأوامر والنواهي التي يشرعها الله له ، ولأمته ، ثم أمره بالصبر على أذى الكفار ، وما يلاقيه من مشاقّ التبليغ ، وما يعانيه من تلوّن أخلاق المشركين وتعجرفهم ، وجعل ذلك الصبر ممتداً إلى غاية هي قوله: {حتى يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين} أي: يحكم الله بينه وبينهم في الدنيا بالنصر له عليهم ، وفي الآخرة بعذابهم بالنار ، وهم يشاهدونه صلى الله عليه وسلم هو وأمته ، المتبعون له المؤمنون به ، العاملون بما يأمرهم به ، المنتهون عما ينهاهم عنه ، يتقلبون في نعيم الجنة الذي لا ينفد ، ولا يمكن وصفه ، ولا يوقف على أدنى مزاياه.
وقد أخرج أبو الشيخ ، عن السديّ في قوله: {وَمَا تُغْنِى الآيات والنذر عَن قَوْمٍ} يقول: عند قوم {لاَ يُؤْمِنُونَ} نسخت قوله: {حِكْمَةٌ بالغة فَمَا تُغْنِى النذر} [القمر: 5] .