الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِفِرْعَونَ: فَالْيَوْمَ نَجْعَلُكَ عَلَى نَجْوَةِ الْأَرْضِ بِبَدَنِكَ، يَنْظُرُ إِلَيْكَ هَالِكًا مَنْ كَذَّبَ بِهَلَاكِكَ.
{لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}
يَقُولُ: لِمَنْ بَعْدَكَ مِنَ النَّاسِ عِبْرَةً يَعْتَبِرُونَ بِكَ، فَيَنْزَجِرُونَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَالْكُفْرِ بِهِ وَالسَّعْي فِي أَرْضِهِ بِالْفَسَادِ. وَالنَّجْوَةُ: الْمَوْضِعُ الْمُرْتَفِعُ عَلَى مَا حَوْلَهُ مِنَ الْأَرْضِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
[البحر البسيط]
فَمَنْ بِعَقْوَتِهِ كَمَنْ بِنَجْوَتِهِ ... وَالْمُسْتَكِنُّ كَمَنْ يَمْشِي بِقُرْوَاحِ
عَنْ قَتَادَةَ،" {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} "
يَقُولُ: أَنْكَرَ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَذَفَهُ اللَّهُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ""
وَقَالَ آخَرُونَ: تَنْجُو بِجَسَدِكَ مِنَ الْبَحْرِ فَتَخْرُجُ مِنْهُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنْجَى اللَّهُ فِرْعَوْنَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْبَحْرِ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ بَعْدَ مَا غَرِقَ"
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: بِبَدَنِكَ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنَجِّيَهُ بِغَيْرِ بَدَنِهِ، فَيَحْتَاجُ الْكَلَامُ إِلَى أَنْ يُقَالَ فِيهِ بِبَدَنِكَ؟
قِيلَ: كَانَ جَائِزًا أَنْ يُنَجِّيَهُ بِالْبَدَنِ بِغَيْرِ رَوْحٍ، وَلَكِنْ مَيِّتًا.
وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا}
يَعْنِي: عَنْ حُجَجِنَا وَأَدِلَتِنَا عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ وَالْأُلُوهَةَ لَنَا خَالِصَةً، {لَغَافِلُونَ}
يَقُولُ: لَسَاهُونَ، لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا وَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 12/}