أو أن الآيات هي المنهج الذي يثبت وجود الخالق الأعلى ، لكن فرعون وملأوه استكبروا . والاستكبار: هو طلب الكبر ، مثلها مثل"استخرج"أي: طلب الإخراج ، ومثل"استفهم"أي: طلب الفهم . ومن يطلب الكبر إنما يفتعل ذلك ؛ لأنه يعلم أن مقوماته لا تعطيه هذا الكبر .
وينهي الحق سبحانه هذه الآية بقوله:
{وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} [يونس: 75] .
وشرُّ الإجرام ما يتعدى إلى النفس ، فقد يكون من المقبول أن يتعدى إجرام الإنسان إلى أعدائه ، أما أن يتعدى الإجرام إلى النفس فهذا أمر لا مندوحة له ، وإجرام فرعون وملئه أودى بهم إلى جهنم خالدين مخلدين فيها ملعونين ، وفي عذاب عظيم ومهين .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا}
وقد جاءهم الحق على لسان الرسل عليهم السلام وعلى كل إنسان أن يفهم أنه حين يستقبل من الرسول رسالة الحق ، فليفهم أنها رسالة ليست ذاتية الفكر من الرسول ، بل قد أرسله بها الله الخالق الأعلى سبحانه وتعالى .
ولذلك فالمتأبَّى على الرسول ، لا يتأبَّى على مساوٍ له ؛ لأن الرسول هو مُبلِّغ عن الله تعالى ، والله سبحانه هو الذي بعثه ، ويجب على الإنسان أن يعرف قدر البلاغ القادم من الله الحق ، لأنه سبحانه هو الحق الأعلى ، وهو الذي خلق كل شيء بالحق: سماء مخلوقة بالحق ، وأرض مخلوقة بالحق ، وشمس تجري بالحق ، ومطر ينزل بالحق ، وكل شيء ثابت ومتحرك بقوانين أرادها الحق سبحانه .
ولو سيطر الإنسان دون منهج على قوانين الكائنات لأفسدها ؛ لأن الفساد إنما يتأتى مما للإنسان دخل فيه ، ويدخل إليه بدون منهج الله .
والفساد إنما يجيء من ناحية اختيار الإنسان للبدائل التي لا يخضع فيها لمنهج الله تعالى .
ولذلك إن أردتم أن تستقيم حياتكم استقامة الكائنات العليا التي لا دخل لكم فيها ، فامتثلوا لمنهج الحق وميزانه ؛ لأنه سبحانه هو القائل: