(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24)
(حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ) فالأخذ على حقيقته، والأرض على حقيقتها، لكن المجاز حاصل من جهة إسناد الأخذ إلى الأرض.
قوله تعالى: (فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ)
المستعار له هو الأرض المتزخرفة المتزينة بالنبات، والمستعار منه هو نباتها، وهما حسيان، والجامع بينهما الهلاك، وهو أمر معقول غير محسوس.
(تنبيه)
كل تشبيه على جميع أنواعه، فلابد فيه من اشتماله على أركان أربعة، المشبه، والمشبه به، والوصف الجامع بينهما، وكيفية التشبيه في قربه وبعده، وكونه مفردا ومركبا، ونادرا ومألوفا، إلى غير ذلك، فمتى كثرت الأوصاف، كان أدخل في الغرابة وأعجب في مقاصد البلاغة، وأقرب مثال له في اجتماع أوصاف التشبيه قوله تعالى: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ)
فالآية في نظمها مشتملة على عشر جمل، كل واحدة منها على حظ من التشبيه، ثم يكون التشبيه أيضا حاصلا من مجموعها من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض، فإنك لو حذفت منها جملة واحدة، تطرق الخرم إليها على قدر المحذوف، وكان مخلا بمغزى التشبيه الذي قصد فيها، وهكذا القول في الإفراد في التشبيه، والتركيب، فالإفراد نحو تشبيهك الكلام بالعسل، في أن كل واحد منهما يوجب للنفس لذة وحالة محمودة، والمركب كقولك: «أعط القوس باريها» فإنه ليس الغرض إعطاء مطلقا، وإنما المقصود إعطاء من هو أهل للرماية، ومنه قولهم «الرامي بغير وتر، والساعي إلى الهيجاء بغير سلاح» ، فالتشبيه فيما هذا حاله مركب كما ترى.
(وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ(61)