قال بعض البلغاء: إذا رأت العرب السادات تركوا العادات وحرموا الغارات قالوا: محرم ، وإذا ضعفت أركانهم ومرضت أبدانهم ، وأصفرت ألوانهم قالوا: صفر ، وإذا ظهرت الرياحين وزهرت البساتين قالوا: ربيعان ، وإذا قل الثمار وجمد الماء قالوا: جماديان ، فإذا هاجت البحار وحمت الأنهار وترجبت الأشجار قالوا: رجب ، وإذا بانت الفضائل وتشعبت القبائل قالوا: شعبان ، وإذا حمي الفضا ، ونفي جمر الغضاء قالوا: رمضان ، وإذا انكشف السحاب ، وكثرت الذباب وشالت الناقة إلا ذبحوها قالوا: شوال ، وإذا قعد التجار عن الأسفار قالوا: ذو القعدة ، وإذا قصدوا الحج من كل فج ، وأظهروا النج والعج قالوا: ذو الحجة.
{فِي كِتَابِ الله} يعني اللوح المحفوظ وقيل في قضائه الذي قضى {يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض مِنْهَآ} من الشهور {أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} كانت العرب تعظمها وتحرم القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه ، وهي: رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة ومحرم ، واحد فرد وثلاثة سرد.
{ذلك الدين القيم} الحساب المستقيم {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي في الأشهر الحرم بالعمل بمعصية الله عز وجل وترك طاعته ، وقال ابن عباس: استحلال القتال والغارة فيهن ، وقال محمد بن إسحاق عن يسار: لا تجعلوا حلالها حراماً ولا حرامها حلالا كما فعل أهل الشرك ، وقال قتادة: إن العمل الصالح والأجر أعظم في الأشهر الحرم ، والذنب والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهنّ ، وإن كان الظلم على كل حال عظيم ، ولكن الله يعظم من أمره ما شاء كما يصطفي من خلقه صفايا .
{وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً} جميعاً عامّاً مؤتلفين غير مخلّفين {كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} نصب على الحال {واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين} .