ذكرت هذه القصة في أحد ملتقيات الكفر الإسلامي بالجزائر، فاعترض عليها أحد الدعاة الكبار، وأنكر أن يكون لها أصل صحيح!! إذ كيف يسمى ابن المبارك العبادة في الحرمين لعبا؟!
والحق أن القصة صحيحة، ذكرها ابن عساكر بسندها في ترجمة عبدالله بن المبارك، ونقلها الحافظ ابن كثير في تفسيره في آخر سورة آل عمران مقرا لها. كما ذكرها الحافظ الذهبي في ترجمة ابن المبارك في موسوعته"سير أعلام النبلاء". وليس فيها ما يخالف أصول الإسلام أو نصوصه، بل استدل ابن المبارك في شعره بالكتاب والسنة، كما أيد ذلك العابد الزاهد الفضيل بما أملى من حديث على ناقل الرسالة.
وقد ذكرها شيخنا البهي الخولي في كتابه الرائد"تذكرة الدعاة"وعلق عليها بقوله:"كتب ابن المبارك هذا الكلام لصديقه"الفضيل"في وقت لم يكن الجهاد فيه فرض عين، ومع هذا وصف عبادته بأنها لعب، وهي عبادة تقع في أشرف بقعة على ظهر الأرض! ترى ماذا يقول ابن المبارك لصديقه لو كان الجهاد فرض عين؟! وماذا كان يقول عن العبادة لو أنها كانت في غير المسجد الحرام"؟!
الاختلاط عند الفساد أم العزلة؟
ومن ذلك بحثهم: أيهما أولى بالمسلم في أزمان الفتن وانتشار المعاصي والفساد: الاختلاط بالمجتمع ومحاولة إصلاحه أم العزلة والنجاة بالنفس؟
أما الصوفية .. ففضل جمهورهم الاختيار الثاني، وأما العلماء الربانيون المجاهدون ففضلوا طريق الأنبياء، وهو المخالطة والمجاهدة والصبر على أذى الناس.
روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم:"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".
وللإمام أبي حامد الغزالي كتاب في"إحيائه"حول العزلة والخلطة، وما في كل منهما من فوائد، وما يحذر من آفات.
ومنها: بحثهم حول الدنيا ومتاعها أيهما أولى بالنسبة لها: الدخول في معمعتها، والمشي في مناكبها ومزاحمة أهلها والاستمتاع بطيباتها مع الالتزام بحدود الله، أم الانصراف عنها والزهد فيها وفي أهلها وزينتها وأموالها؟