إنما يحرك من عقله وقلبه، يقنع فيقتنع، ويهدى فيهتدي، ويرغب ويرهب، فيرغب ويرهب. والإيمان هو الذي يحرك الإنسان ويوجهه ويولد فيه طاقات هائلة، لم تكن لتظهر بدونه، بل هو ينشئه خلقا جديدا، بروح جديدة، وعقل جديد، وعزم جديد، وفلسفة جديدة. كما رأينا ذلك في سحرة فرعون حين آمنوا برب موسى وهارون، وتحدوا جبروت فرعون، وقالوا له في شموخ واستعلاء: (فاقض ما أنت بقاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) .
ورأيناه في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نقلهم إيمانهم من الجاهلية إلى الإسلام: من عبادة الصنم، ورعاية الغنم، إلى رعاية الأمم، وقيادة البشرية إلى هداية الله، وإخراجها من الظلمات إلى النور.
ولقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاما في مكة كل همه فيها وكل عمله ـ من التبليغ والدعوة ـ بناء الجيل الأول على معاني الإيمان.
تلك السنون كلها لم تنزل فيها تشريعات تنظم المجتمع وتضبط علاقاته الأسرية والاجتماعية، وتعاقب من ينحرف عن قوانينه. بل كان عمل القرآن، وعمل الرسول هو بناء هذا الإنسان وهذا الجيل من أصحابه، وتربيته وتكوينه، ليربى العالم كله بعد ذلك.
كانت دار الأرقم بين أبي الأرقم تقوم بدورها. وكان كتاب الله الذي يتنزل عليه منجما حسب الوقائع، ليقرأه على الناس على مكث، ويثبت به فؤاده، وأفئدة الذين آمنوا معه، ويرد على أسئلة المشركين ويعقب على مواقفهم ـ يقوم بالدور الأكبر في تربية الفئة المؤمنة، وحسن تسييرها، وترشيد سيرها. قال تعالى: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) ، (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة، كذلك لنثبت به فؤادك، ورتلناه ترتيلا، ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) .