ورواه ابن مسعود بلفظ:"إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلا، كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجئ بالعود، والرجل يجئ بالعود، حتى جمعوا سوادا، وأججوا نارا، وأنضجوا ما قدموا فيها".
وخلاصة التشبيه: أن العيدان الصغيرة المتفرقة حين اجتمعت، أججت نارا ملتهبة، وكذلك تصنع الصغائر المحقرات من الذنوب.
وعن ابن مسعود: المؤمن يرى ذنبه كالجبل يخاف أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا وهكذا، أي ذبة وطيره بحركة يده.
وقد ذكر الإمام الغزالي في"كتاب التوبة"من"الإحياء"جملة أمور تكبر الصغائر، وتزيد الكبائر كبرا، منها: استصغار الذنب، واستحقار المعصية، حتى قال بعض السلف: إن الذنب الذي نخشى ألا يغفر هو الذي يقول لصاحبه: ليت كل ذنب فعلته مثل هذا! ومنها: المجاهرة والتبجح بها، ففي الصحيح:"كل أمتي معافى إلا المجاهرين".
وقد قال ابن القيم: وههنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر. وقد يقترن بالصغيرة ـ من قلة الحياء وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ـ ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها.
كما أن المعصية الواحدة يختلف إثمها باختلاف شخص مرتكبها وظروفه. فالزنى من العزب غيره من المحصن. ومن الشاب غيره من الشيخ، والزنى بحليلة الجار أو ممن غاب عنها زوجها في الجهاد، أو بمحرم له، أو في نهار رمضان أو في الحرم. غير الزنى في الظروف المغايرة، وكل شيء له حسابه عند الله عز وجل.
وللعلامة ابن رجب هنا كلام جيد نافع يحسن بي أن أنقله هنا لعظيم فائدته. قال رحمه الله:
"والمحرمات المقطوع بها مذكورة في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) .. إلى آخر الآيات الثلاثة، وقوله تعالى: (قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) ."