فالأمر بالصلاة هنا يومئ إلى الخبر، وأنه من جنس النفع والخير، فصار المقام مقام تردد، وسؤال عن السبب وراء هذا الأمر، وهل في الصلاة عليهم خير لهم؟ فقيل: {إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} هكذا بالتأكيد لدفع هذا التردد المفترض في المخاطبين.
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ... (111) }
وكما يأتي الطباق ويتحقق بين الفعل المبني للمعلوم وقرينه، يأتي كذلك بين الفعل المبني للمعلوم والفعل المبني للمجهول في جملة واحدة، ففي قول الله تعالى مثلًا: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ}
نجد أن الفعل يقتل أُسند مرة إلى الفاعل، وجاءت واو الجماعة فاعلًا له، وأُسند مرة أخرى إلى المفعول وجاءت واو الجماعة نائب فاعل له، أي: أن القتل يقع مرة منه ويقع مرة عليه، وهما معنيان متضادان، ومن هنا صح أن تكون هذه الصورة من صور الطباق.
{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ... (127) }
ومما حذفت فيه الجملة: جواب الاستفهام، كما في قول الله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}
فحذف جواب الاستفهام وتقديره: لا يرانا من أحد، بدليل قوله: {ثُمَّ انْصَرَفُوا} لأنهم لم ينصرفوا إلا بعد تأكدهم من أنه لا أحد يراهم، والحذف هنا يشير إلى حذرهم ومبلغ حيطتهم، وكأن الجواب كان همسًا في الآذان وليس أصواتًا مسموعة. انتهى انتهى {علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، لمجموعة من العلماء} ...