قال أبو صالح: سئلت عن قول الله:"اللمم"فقلت: هو الذي يلم بالذنب ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس. فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم.
والجمهور على أن اللمم ما دون الكبائر، وهو أصح الروايتين عن ابن عباس كما في صحيح البخاري عنه: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه"، ورواه مسلم، وفيه:"العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا".
قال الإمام ابن القيم: والصحيح قول الجمهور أن اللمم صغائر الذنوب، كالنظرة والغمزة والقبلة ونحو ذلك، هذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم. وهو قول أبى هريرة وابن مسعود وابن عباس ومسروق والشعبي، ولا ينافي هذا قول أبى هريرة وابن عباس في الرواية الأخرى: أنه يلم بالكبيرة ثم لا يعود إليها. فإن اللمم إما أنه يتناول هذا وهذا. ويكون على وجهين، أو أن أبا هريرة وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة، ولم يصر عليها، بل حصلت منه فلتة في عمره ـ باللمم، ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مرارا عديدة. وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم، وغور علومهم، ولا ريب أن الله يسامح عبده المرة والمرتين والثلاث. وإنما يخاف العنت على من اتخذ الذنب عادته. وتكرر منه مرارا كثيرة.
على أن الشرع وإن سامح وخفف في اللمم أو الصغائر، فقد حذر من الاستهانة بها، والإصرار والمواظبة عليها، فإن الصغير إذا أضيف إلى الصغير كبر، ثم إن الصغائر تجر إلى الكبائر، والكبائر تجر إلى الكفر، ومعظم النار من مستصغر الشرر.
ولهذا روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب، كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه".