وفي رواية لمسلم قال: أقبل رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله، قال:"فهل من والديك أحد حي"؟ قال: نعم، بل كلاهما حي، قال:"فتبتغي الأجر من الله"؟ قال: نعم، قال:"فارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما".
وعنه أيضا قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أوي يبكيان، فقال:"ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما".
وعن أنس رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، قال:"هل بقي من والديك أحد؟ قال: أمي، قال:"قابل الله في برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد"."
وعن معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك، فقال:"هل لك من أم؟"قال: نعم، قال:"فالزمها، فإن الجنة عند رجلها".
ورواه الطبراني بإسناد جيد، ولفظه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستشيره في الجهاد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألك والدان"؟ قلت: نعم، قال:"الزمهما، فإن الجنة تحت أرجلهما".
فروض الكفاية تتفاوت
وأحب أن أوضح هنا: أن فروض الكفاية تتفاوت أيضا.
فهناك فروض كفاية قام بها بعض الناس، وربما أصبح فيها فائض.
وفروض كفاية أخرى لم يقم بها عدد كاف، أو لم يقم بها أحد قط.
ففي زمن الإمام الغزالي عاب على أهل عصره أنهم تكدسوا في طلب الفقه، وطلب فرض كفاية، على حين تخلفوا عن ثغرة في واجب كفائي آخر، مثل علم الطب، حتى إن البلدة يوجد بها خمسون متفقها، ولا يوجد بها إلا طبيب من أهل الذمة، مع ضرورة الطب الدنيوية، ومع أن للطب مدخلا في الأحكام الشرعية، والأمور الدينية.
ففرض الكفاية الذي لم يقم به أحد يكون الاشتغال به أولى ممن قام به بعض، ولو لم يسد كل الحاجة، وفرض الكفاية الذي قام به عدد غير كاف يكون الاشتغال به أولى من فرض آخر قام به عدد كاف، وربما زائد عن الحاجة.
وقد يصبح فرض الكفاية في بعض الأحيان فرض عين على زيد أو عمرو من الناس، لأنه وحده الذي اجتمعت له مؤهلاته، ووجد الموجب لقيامه، ولم يوجد المانع منه.