وذكر الإمام الراغب في المقارنة بين فرائض العبادات، ونوافل المكارم فقال، وأحسن فيما قال:"واعلم أن العبادة أعم من المكرمة، فإن كل مكرمة عبادة، وليس كل عبادة مكرمة، ومن الفرق بينهما أن للعبادات فرائض معلومة، وحدودا مرسومة، وتاركها يصير ظالما متعديا، والمكارم بخلافها. ولن يستكمل الإنسان مكارم الشرع ما لم يقم بوظائف العبادات، فتحرى العبادات من باب العدل، وتحرى المكارم من باب الفضل والنفل، ولا يقبل تنفل من أهمل الفرض، ولا تفضل من ترك العدل، بل لا يصح تعاطي الفضل إلا بعد العدل، فإن العدل فعل ما يجب، والفضل الزيادة على ما يجب. وكيف يصح تصور الزيادة على شيء هو غير حاصل في ذاته، ولهذا قيل: لا يستطيع الوصول من ضيع الأصول."
فمن شغله الفرض عن الفضل فمعذور، ومن شغله الفضل عن الفرض فمغرور، وقد أشار تعالى بالعدل إلى الأحكام، وبالإحسان إلى المكارم بقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) .
أولوية فرض العين على فرض الكفاية
وكما أن الفرائض مقدمة في الرتبة على النوافل، بلا نزاع. فالفرائض في نفسها متفاوتة.
فمن المؤكد أن فرض العين مقدم على فرض الكفاية. وذلك لأن فرض الكفاية قد يوجد من يقوم به، فيسقط الإثم والحرج عن الآخرين، أما فرض العين فلا بديل له، ولا يقوم أحد مقام من تعين عليه.
وقد دلت الأحاديث النبوية على تقديم فرض العين على فرض الكفاية.
وأظهر مثال لذلك: ما جاء في شأن بر الوالدين والجهاد في سبيل الله حينما يكون الجهاد فرض كفاية، وهو جهاد الطلب لا جهاد الدفاع. وجهاد الطلب: أن يكون العدو في أرضه، ونحن الذين نطلبه، من باب الحرب الوقائية، ومبادرته بالهجوم إذا ظهرت منه بوادر التربص بنا والطمع فينا. فهنا يغني البعض عن الكل، إلا إذا طلب الإمام النفير من الجميع.
في جهاد الطلب يكون بر الوالدين والقيام على خدمتهما أوجب من الانضمام إلى الجيش المقاتل. وهذا ما نبه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى الشيخان عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنه في الجهاد، فقال:"أحي والداك"؟ قال: نعم، قال:"فيهما فجاهد".