ونعني بتقديم الأصول: تقديم ما يتصل بالإيمان بالله تعالى وتوحيده، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهي أركان الإيمان كما بينها القرآن الكريم.
يقول تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين) .
وقال تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير) .
وقال تعالى: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا) .
وإنما لم تذكر الآيات الإيمان بالقدر ضمن أصول العقيدة، لأنه داخل في مضمون الإيمان بالله تعالى. فالإيمان بالقدر إيمان بمقتضى الكمال الإلهي، وشمول علمه، وعموم إرادته، ونفوذ قدرته.
والعقيدة هي الأصل، والتشريع فرع عنه.
والإيمان هو الأصل، والعمل فرع عنه.
ولا نريد أن ندخل في جدل المتكلمين حول علاقة العمل بالإيمان: أهو جزء منه أم ثمرة له؟ أهو شرط لتحققه أم دليل كماله؟
فالإيمان الحق لابد أن يثمر عملا، وعلى قدر تمكن الإيمان ورسوخه تكون الأعمال، من فعل المأمور، أو اجتناب المحظور.
والعلم الذي لم يؤسس على إيمان صحيح لا وزن له عند الله، وهو كما صوره القرآن: (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب) .
لهذا كان الأمر الأحق بالتقديم والأولى بالعناية من غيره، هو تصحيح العقيدة، وتجريد التوحيد، ومطاردة الشرك والخرافة، وتعميق بذور الإيمان في القلوب، حتى تؤتي أكلها بإذن ربها، وحتى تغدو كلمة التوحيد:"لا إله إلا الله"حقيقة في النفس، ونورا في الحياة، يبدد ظلمات الفكر، وظلمات السلوك.
يقول المحقق ابن القيم:
"اعلم أن أشعة:"لا إله إلا الله"تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور. وتفاوت أهلها في ذلك ـ قوة وضعفا ـ لا يحصيه إلا الله تعالى".
فمن الناس: من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس.
ومنهم: من نورها في قلبه كالكوكب الدري.
ومنهم: من نورها في قلبه كالمشعل العظيم.