وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ) أي: ما كان على المشركين أن يعمروا مساجد اللَّه؛ لأنهم لا ينتفعون بها في الآخرة، ولا يؤمنون بالآخرة، وإنما يقصد بعمارة المساجد والإنفاق عليها الثواب في الآخرة، وهم لا يؤمنون بها، فتضيع نفقتهم في ذلك؛ إذ لا مقاصد لهم ولا منفعة، إنما ذلك على المسلمين.
ويجوز"له"بمعنى عليه؛ كقوله: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) ، أي: فعليها.
وقوله: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ) يحتمل هذا: أي: ما كان بالمشرك عمارة مساجد اللَّه، إنما تكون عمارته بمن آمن باللَّه واليوم الآخر، لا بمن أشرك بالله وكفر بالآخرة.
وقوله: (شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: (شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) ، أي: على نفس مُحَمَّد ومن آمن معه؛ سماهم أنفسهم؛ لأنهم من قرابتهم وأرحامهم، وقد سمى اللَّه المتصلين بهم بذلك؛ كقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) وقوله: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) ؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ما ذكرنا.
أو (شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) عند الضرورات عند نزول العذاب بهم، وعند الهلاك؛ كقوله: (فَلَمَّا رَأَوا بَأْسَنَا) الآية، وغير ذلك من الأحوال التي كانوا يقرون بالكفر ويرجعون عنه، شهدوا عليهم بالكفر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) أي أنفسهم، تشهد بالكفر عليهم؛ لأن خلقتهم تشهد على وحدانية اللَّه، وأنفسهم تشهد على فعلهم بالكفر، وهو ما قال اللَّه - تعالى -: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) ، قيل: بل الإنسان من نفسه بصيرة، أي: بيان من نفسه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) ، إلى آخر الآية.