وَأَمَّا {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ يُسْأَلُ: مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: نَصْرَانِيُّ، وَالْيَهُودِيُّ، فَيَقُولُ: يَهُودِيُّ، وَالصَّابِئُ، فَيَقُولُ: صَابِئٌ، وَالْمُشْرِكُ يَقُولُ إِذَا سَأَلْتَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: مُشْرِكٌ، لَمْ يَكُنْ لَيَقُولَهُ أَحَدٌ إِلَّا الْعَرَبَ.
وَقَوْلُهُ: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}
يَقُولُ: بَطَلَتْ وَذَهَبَتْ أُجُورُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ، بَلْ كَانَتْ لِلشَّيْطَانِ.
{وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}
يَقُولُ: مَاكِثُونَ فِيهَا أَبَدًا، لَا أَحْيَاءً وَلَا أَمْوَاتًا
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: {مَسَاجِدَ اللَّهِ} عَلَى الْجَمْعِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ: (مَسْجِدَ اللَّهِ) . عَلَى التَّوْحِيدِ، بِمَعْنَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَهُمْ جَمِيعًا مُجْمِعُونَ عَلَى قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {مَسَاجِدَ اللَّهِ} عَلَى الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ احْتَمَلَ مَعْنَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَذْهَبُ بِالْوَاحِدِ إِلَى الْجَمْعِ وَبِالْجَمْعِ إِلَى الْوَاحِدِ، كَقَوْلِهِمْ: عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَخْلَاقٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ الْمُصَدِّقُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ الْمُخْلِصُ لَهُ الْعِبَادَةَ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يَقُولُ: الَّذِي يُصَدِّقُ بِبَعْثِ اللَّهِ الْمَوْتَى أَحْيَاءً مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ بِحُدُودِهَا، وَأَدَّى الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِلَى مَنْ أَوْجَبَهَا اللَّهُ لَهُ.
{وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ}
يَقُولُ: وَلَمْ يَرْهَبْ عُقُوبَةَ شَيْءٍ عَلَى مَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُ سِوَى اللَّهِ.
{فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} يَقُولُ: فَخَلِيقٌ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ أَنْ يَكُونُوا عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ قَدْ هَدَاهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَإِصَابَةِ الصَّوَابِ.