وقد اختلف الناس في اصطناع المعروف، هل يتعين أن يكون مع أهله أم لا؟
فمنهم مَنْ قال بالأول، وقال:
وَمَنْ صَنَعَ الْمَعْرُوفَ مَعْ غَيْرِ أَهْلِهِ ... أَضاعَهُ كَمُجِيرِ أُمِّ عامِرِ
وروى أبو نعيم عن علي بن أبي حملة قال: قال لي زياد بن صخر اللخمي: إذا صنعت يدًا فاصنعها إلى ذي دين وحسب.
وروى البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا يَصْلُحُ المَعْرُوْفُ إِلاَّ عِنْدَ ذِيْ حَسَبٍ وَدِيْنٍ، كَمَا لا تَصْلُحُ الرِّيَاضَةُ إِلاَّ فيْ نَجِيْبٍ".
وروى أبو نعيم عن الربيع قال: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: إذا أخطأتك الصنيعة إلى مَنْ يتقي الله، فاصنعها إلى مَنْ يتَّقي العار.
قال: وسمعت الشافعي كتابه يقول: ما رفعت أحدًا فوق منزلته
إلا وضع مني بمقدار ما رفعت منه.
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، وصححوه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلاَّ تَقِيٌّ".
وقيل:
ضاعَ مَعْرُوفُ واضعِ العُرفِ في غَيرِ أَهْلِهِ.
-ومنهم من قال بالثاني: إن ضاع المعروف عند مَنْ صنعته إليه فهو لا يضيع عند الله تعالى، كما تقدم في قصة ابن حمير عن المَلَك المسمى بالمعروف.
وروى الإمام الشافعي، والبيهقي في"المعرفة"عن محمد بن علي مرسلاً قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"افْعَلِ المَعْرُوْفَ إِلىْ مَنْ هُوَ أَهْلُهُ وَإِلىْ مَنْ لَيْسَ هُوَ أَهْلُهُ؛ فَإِنْ أَصَبْتُمْ أَهْلَهُ فَقَدْ أَصَبْتُمْ أَهْلَهُ، وَإِنْ لَمْ تُصِيبوْا أَهْلَهُ فَأَنْتُمْ أَهْلُهُ".
وقال محمود الوراق رحمه الله تعالى: من البسيط
مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوائِزَهُ ... لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللهِ والناسِ
وهذا أليق بالجودة فإنَّ فِعْل المعروف سواءَ كان ببذل مالٍ، أو شفاعة، أو مساعدة في حمل متاع، أو حمل هم، أو دفع عدو، أو نحو ذلك كله من أحوال الدنيا، وهي لا قيمة لها حتى يتوقف باذلها على أن يجد أهلاً للمعروف أو لا يجد.