فلما مرت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله! لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا وكذا، فأردت أن أعرف عملك، فلم أرك تعمل عملاً كثيرًا، فما الذي بلغ بك ذلك؟
قال: ما هو إلا ما رأيت.
فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشًا ولا حسدًا على خير أعطاه الله إياه.
قال عبد الله: هي التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق.
* تَنْبِيهٌ:
قال بعض العلماء: خمسة من الناس اعتادوا أكل خمسة من الحيوانات فاكتسبوا منها طباعها:
-الفرنج اعتادوا أكل لحم الخنزير، فغلبت عليهم الأُبنة.
-والتتار اعتادوا أكل لحم الخيل، فغلبت عليهم السياسة والجماح.
-والترك اعتادوا أكل لحم الغنم، فغلب عليهم الحرن.
-والأعراب اعتادوا أكل لحم الإبل، فغلب عليهم الحقد.
-والسودان اعتادوا أكل لحم الفئران، فاكتسبوا الرقاعة والخلاعة.
قلت: وعلى هذا فمن أتى بشيء من ذلك فهو متشبه بما ذكر.
133 -ومنها: التشبه في الحسد بالتيس.
والحسد أن تتمنى زوال النعمة المحسود وانتقالها إليك.
روى الأصبهاني في"الترغيب"عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"يَأْتيْ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَحْسُدُ الفُقَهَاءُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَغَارُ بَعْضُهُمْ عَلَىْ بَعْضٍ كَتَغَايُرِ التُّيُوْسِ".
وروى الخطابي في"العزلة"عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: أجيز شهادة القراء في كل شيء إلا بعضهم على بعض.
قال: وجدتهم أشد تحاسداً من التيوس، توثق الشاة فيرسل عليها التيس، فيهب هذا ويهب هذا.
134 -ومنها: التشبه بالتيوس في اجتماع رجال على امرأة يتناوبون الزنا بها كما يشير إليه كلام مالك بن دينار.
وهم في ذلك أشبه شيء بالفحول من الدواب تتناوب الإناث كالكلاب، والهررة، والخيل، والحمير، والخنازير.
والزنا فاحشة بنص القرآن العظيم، وبذلك يتضاعف فحشه
ويتكاثف قبحه.
روى ابن أبي الدنيا في"ذم الملاهي"عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متى الساعة؟