وَحَاصِلُ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالِاسْتِدْرَاكِ: أَنَّ مِنْ شَأْنِ مَنْ أُوتِيَ آيَاتِ اللهِ تَعَالَى أَنْ تَرْتَقِيَ نَفْسُهُ ، وَتَرْتَفِعَ فِي مَرَاقِي الْكَمَالِ دَرَجَتُهُ ، لِمَا فِيهَا مِنَ الْهِدَايَةِ وَالْإِرْشَادِ وَالذِّكْرَى ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِمَنْ أَخَذَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَتَلَقَّاهَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ:"وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ لَمْ تَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ ، وَإِنَّمَا تَلَقَّى الْآيَاتِ الْإِلَهِيَّةَ اتِّفَاقًا بِغَيْرِ قَصْدٍ ، أَوْ بِنِيَّةِ كَسْبِ الْمَالِ وَالْجَاهِ ، وَوَجَدَ مَعَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ مَا يَصْرِفُهُ عَنِ الِاهْتِدَاءِ بِهَا فَلَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْهَا ، وَأَسْرَعَ بِهِ أَنْ يَنْسَلِخَ مِنْهَا ، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ; لِأَنَّهَا فِي نَفْسِهَا هُدًى وَنُورٌ ، وَلَكِنْ تَعَارَضَ الْمُقْتَضَى وَالْمَانِعُ ، وَهُوَ إِخْلَادُهُ إِلَى الْأَرْضِ وَاتِّبَاعِ هَوَاهُ:
قَالُوا فُلَانٌ عَالِمٌ فَاضِلٌ ... فَأَكْرَمُوهُ مِثْلَمَا يَقْتَضِي
فَقُلْتُ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَامِلًا ... تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي