فهو - واللَّه أعلم - ما ذكر في قوله: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا...) الآية، أخبر أن ما حرم عليهم من الطيبات؛ بظلمهم للذين ظلموا؛ ولذلك قال اللَّه - تعالى -:
(ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ) .
أخبر أن ذلك جزاء بغيهم الذي بغوا.
والثاني: أنهم كانوا يدعون ويقولون: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) ، يقول: لو كنتم صادقين في زعمكم أنكم أبناء اللَّه وأحباؤه، لكن لا أحد يعاقب ولده أو حبيبه بأدنى ظلم، ولا يحرم عليه الطيبات، فإذا كان اللَّه حرم عليكم الطيبات، وجزاكم بتحريم أشياء؛ عقوبة لكم بظلمكم وبغيكم - ظهر أنكم كذبتم في دعاويكم، وافتريتم بذلك على اللَّه.
وفيه دليل إثبات رسالة مُحَمَّد ونبوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لأنهم كانوا يحرمون هذه الأشياء فيما بينهم، ولا يقولون: إنهم ظلمة، وإن ما حرم عليهم كان بظلم كان منهم وبغي، ثم أخبرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن ما حرم عليهم من الطيبات إنما حرم بظلمهم وبغيهم؛ دل أنه إنما أخبر بذلك عن اللَّه، وبه عرف ذلك؛ فدل أنه آية من آيات نبوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ) .
أي: ذلك التحريم عقوبة لبغيهم وظلمهم.
(وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) أي: إنا لصادقون، بالإنباء أن ذلك كان بظلمهم وبغيهم، أو إنا لصادقون في كل ما أخبرنا وأنبانا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ...(147)