الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي إِنْزَالِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ السَّمَاءِ الْمَاءَ الَّذِي أَخْرَجَ بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْخَضِرَ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْهُ الْحَبَّ الْمُتَرَاكِبَ، وَسَائِرَ مَا عَدَّدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ صُنُوفِ خَلْقِهِ، {لَآيَاتٍ}
يَقُولُ: فِي ذَلِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا أَنْتُمْ نَظَرْتُمْ إِلَى ثَمَرِهِ عِنْدَ عَقْدَ ثَمَرِهِ، وَعِنْدَ يَنْعِهِ وَانْتِهَائِهِ، فَرَأَيْتُمُ اخْتِلَافَ أَحْوَالِهِ وَتَصَرُّفَهُ فِي زِيَادَتِهِ وَنُمُوِّهِ، عَلِمْتُمْ أَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَلَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، وَكَانَ فِيهِ حُجَجٌ وَبُرْهَانٌ وَبَيَانٌ {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
يَقُولُ: لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ. وَخَصَّ بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْقَوْمَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِحُجَجِ اللَّهِ وَالْمُعْتَبِرُونَ بِهَا، دُونَ مَنْ قَدْ طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يَعْرِفُ حَقًّا مِنْ بَاطِلٍ، وَلَا يَتَبَيَّنُ هُدًى مِنْ ضَلَالَةٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَجَعَلَ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِرَبِّهِمُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ لِلَّهِ {شُرَكَاءَ الْجِنَّ} كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} . وَفِي الْجِنِّ وَجْهَانِ مِنَ النَّصْبِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلشُّرَكَاءِ، وَالْآخِرَةُ: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ الْجِنَّ شُرَكَاءَ وَهُوَ خَالِقُهُمْ) . وَاخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَخَلَقَهُمْ} ، فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ: {وَخَلَقَهُمْ} عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ مُنْفَرِدًا بِخَلْقِهِ إِيَّاهُمْ.
عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرٍ، أَنَّهُ قَالَ: (شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلْقَهُمْ) بِجَزْمِ اللَّامِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْجِنَّ شُرَكَاءُ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ إِيَّانَا.