إذن المادة كلها تدل على الستر ، وهل الذي نتعجب منه أنهم جعلوا الجن شركاء ، أو أن التعجيب ليس من جعل الجن شركاء بل من اتخاذ مبدأ الشركاء ، سواء أكان جناً أم غير جن ، إن التعجيب هنا من المبدأ نفسه ، فنحن لا نعترض فقط على أن الجن شركاء ، بل نحن نعترض على المبدأ نفسه ، أن يكون لله شريك من جن أو من ملائكة أو من غير ذلك ، ولهذا قدم المجعول - وهو الشريك - على المجعول منه - وهو الجن - مع أن العادة أن يقدم المجعول منه على المجعول ، فتقول جعلت الطين إبريقاً أي: أن الطين كان موجوداً ، وأخذت منه الذي لم يكن موجوداً وهو الإبريق .
ثم هل كان الشركاء موجودين وطرأ الجن عليهم؟ أو كان الجن موجوداً وطرأ الشركاء عليهم؟ في هذه الحالة كان يجب القول: وجعلوا الجن لله شركاء ، إذن فالعجيبة ليس في أن يكون الجن شركاء ، العجيبة في المبدأ نفسه ، وكيف ترد فكرة الشركاء على أذهانهم سواء أكان الشركاء من الجن أم من غير ذلك ، ولهذا قال سبحانه: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} وساعة تسمعها تقول: أعوذ بالله {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} !! ولا يهمك من هم الشركاء ؛ لأن مطلق مجيء شريك لله هو الأمر العجيب ، سواء كان من الجن أم من الملائكة وكيف جعلوا الجن شركاء؟ ألم يقل الحق في كتابه إن إبراهيم قال: {ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً} [مريم: 44] .
وما هي العبادة؟ العبادة هي أن يطيع العابد المعبود فيما يأمره به ، وما داموا يطيعون الشياطين في وسوستهم فكأنهم عبدوهم ، ولذلك يقول الحق سبحانه: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] .
فقالت الملائكة: {قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} [سبأ: 41] .