لقد وجدنا العقل البشري قد هداه الله الذي قدر فهدى ، إلى أن يكتشف شيئاً اسمه"الميكروب"و"الميكروب"كائن حي دقيق جداً بحيث إن البصر العادي لا يدركه ، ولكنه كان موجوداً ، وفعل الأفاعيل في الناس ودخل في أجسامهم دون أن يشعروا كيف دخل وعمل فيهم وفي صحتهم ما عمل من الهلاك والموت مثل أمراض الطاعون والكوليرا وغيرها ، ومع ذلك فالميكروب كان موجوداً ومن جنس وجودنا ، أي هو مادة وله حياة وله فعل ، وله نفوذ في الهيكل الذي يدرك وهو الإنسان .
وهكذا رأينا أن شيئاً خفياً لا يدرك ويهدد إنساناً ضخماً يدرك ، فهل معنى اكتشاف الميكروب أننا أوجدناه؟ لا ، إن وجود الميكروب شيء ، وإدراك وجوده شيء آخر ، وإذا حللنا"الميكروب"نجد أنه مادة الإنسان ولكنه دقيق جداً حتى إن العين المجردة لا تراه ، فلما اكتشف المجهر وكبرناه عرفناه ، وهذا الكائن الحي إن كنت لا تراه ، فعدم رؤيتك له سابقاً لا تعني أنه غير موجود ، بل هو موجود ولكنك لم تدركه ، ثم اكتشفت - أيها الإنسان - آلة جعلتك تدركه ، ولنعرف أن وجود شيء لا يعني أنك من الضروري أن تدركه ، فإذا قال الله لك: لي ملائكة من خلقي ، ولي جن من خلقي ، ولكنكم لا ترونهم وهم يرونكم ، نقول: صدقت يا ربي ، لأن شيئاً من جنس مادتنا كان موجوداً ولا نراه ثم بعد ذلك رأيناه .
إذن فالأشياء التي نكتشفها الآن هي دليل على صدق البلاغ القرآني بما أخبر به من الأمور الغيبية ، الجن مستور ، والمادة كلها - كما بينا - تدل على الستر ، فالجنون غياب العقل ، وجن الليل ، أي ستر وغطى ، والجنة لأن فيها أشجاراً وغير ذلك بحيث لا يظهر الذي يسير فيها فتكون ساترة لمن يدخلها .