فقال إبراهيم - عليه السلام -: (وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ
شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) . ولو تذكروا لأبصروا أن كل الأفاعيل التي
يظنونها عندها هي من الله - جلَّ جلالُه - ، وقد وقت لكل مفعول ظهورًا، وشرَّع لمخرجيه
ومظهريه من الملائكة المدبرات الأمر - عليهم السلام - أن يظهروا تلك الآيات
بإذن الله، ومشيئته عند طلوع الشمس والقمر أو أي الكواكب كان، أو غروبها، أو
توسطها السماء، أو مقابلتها لسواها، وعلى نسب معلومة محدودة قد حدَّها - جلَّ جلالُه -
لمدبرات الأمر من الملائكة عليهم السلام.
وكما قد أمرنا نحن بامتثال فعل الصلوات في أوقات مطالع الفجر الكائن عند
ظهور ضوء الشمس قبل طلوعها واستوائها، وحال جنوحها إلى الغروب وقت
غروبها عند غروب الشفق الكائن، عند بقايا ضيائها بعد غروبها، وجعل - جلَّ جلالُه - ذلك
على حدود معلومة في كل صلاة أوائلها وأواسطها وأواخرها، كل ذلك بحدود
جريان الشمس وظهور الظلام وزواله.
ولا يقال: إن صلاتنا هي للشمس، ولا أن عبادتنا هي للكواكب لأجل ذلك،
وكذلك جعل حد الصيام طلوع الفجر، والفطر غروب الشمس، وقال - صلى الله عليه وسلم -:"صوموا"
لرؤيته وأفطروا لرؤيته"."
وجعل وقت أداء الزكاة حلول الحول، وهو كون الشمس في موضع بدئها من
أول، فافهم.
وكذلك الحج هو في شهر معلوم في أيام معدودات، ومعدودات من ذلك
الشهر، فهذه شرائعه - جلَّ جلالُه - التي شرعها لنا؛ لنصل بها إلى مرضاته، فهذه الكواكب
كذلك شمسها وقمرها، وغيرهن من ذوات الأمر شرع لهن بشرائع، وجعل
المقومين لهن ملائكة - عليهم السلام - تيسيرًا لهن، وتسخيرا لمنافع عباده إلى أن
يأتي أمر لتقويض البناء، وتبديل الأرض غير الأرض، فيكون الأمر كله من لدنه؛
ذلك هو الحق المبين.
فعلى هذا وصلك الله فاعمل، ولا يجرمنك شنآن قوم قصرت علومهم، فقصرت به همهم عن الوصول إلى العلي الكبير، فلمعرفة هذا وما هو منه أعلى