وَعَنَى بِذَلِكَ مُجَاهِدٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا قُلْتُ، لِأَنَّ اللُّبَّ هُوَ الْعَقْلُ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ: أَنَّ اللَّهَ آتَاهُمُ الْعَقْلَ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا أَنَّهُ الْفَهْمُ بِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَالْحُكْمِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِمَا، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنْ يُكْفَرْ يَا مُحَمَّدُ بِآيَاتِ كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْكَ، فَيَجْحَدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْعَادِلُونَ بِرَبِّهِمْ
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِهَؤُلَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ،
وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} : الْأَنْصَارُ
عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: «إِنْ يَكْفُرْ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ، فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ الْأَنْصَارَ، لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ، فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا الْمَلَائِكَةَ
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ}
يَعْنِي قُرَيْشًا، وَبِقَوْلِهِ: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا} الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ فِي الْآيَاتِ الَّتِي مَضَتْ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} كُفَّارَ قُرَيْشٍ، {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ}
يَعْنِي بِهِ: الْأَنْبِيَاءَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي الْآيَاتِ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ فِي الْآيَاتِ قَبْلَهَا عَنْهُمْ مَضَى، وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا عَنْهُمْ ذِكْرٌ، فَمَا بَيْنَهَا بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُمْ أَوْلَى وَأَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ غَيْرِهِمْ.