وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي فُرُوعِ شَرَائِعِهِمْ فَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ وَأَبْعَدُهَا عَنِ الصَّوَابِ ، لَا لِمَا قِيلَ مِنِ اخْتِلَافِهَا وَتَنَاقُضِهَا وَقَبُولِهَا النَّسْخَ وَكَوْنِ الْمَنْسُوخِ لَمْ يَبْقَ هُدًى . بَلِ الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ: إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَأَكْمَلَ لَنَا عَلَى لِسَانِهِ دِينَهُ الْمُبِينَ ، وَأَرْسَلَهُ رَحْمَةً لِجَمِيعِ الْعَالَمِينَ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرَ مَا أَنْزَلَهُ بَعْدَ ذِكْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) 5: 48 فَهَذِهِ الْآيَةُ نَاطِقَةٌ صَرَاحَةً بِأَنَّ كَتَابَ هَذَا الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُهَيْمِنٌ وَرَقِيبٌ وَحَاكِمٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ لَا تَابِعٌ لِشَيْءٍ مِنْهَا - وَبِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمِرَ بِأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَا جَاءَهُ مِنَ الْحَقِّ لَا بِمَا فِي كُتُبِهِمْ ، وَلَا يَتِّبِعَ أَهْوَاءَهُمْ إِذْ يَوَدُّ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِمَا يُوَافِقُ كُتُبَهُ وَمَذْهَبَهُ ، وَكُلُّ ذِي دَعْوَى أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِمَا يُوَافِقُ مَصْلَحَتَهُ ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِنَبِيٍّ مِنْ أُولَئِكَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ شَرِيعَةٌ مُفَصِّلَةٌ إِلَّا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ تَعَالَى