لِرَسُولِهِ مِنْ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ إِلَّا أَحْكَامًا قَلِيلَةً اقْتَضَتْ ذِكْرَهَا إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى الْيَهُودِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ الْمَكِّيَّةِ بِسِنِينَ ، وَقَدْ شَهِدَ الْقُرْآنُ عَلَى الْيَهُودِ بِأَنَّهُمْ حَرَّفُوا وَبَدَّلُوا وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ، وَكَذَلِكَ أَهِلُ الْإِنْجِيلِ شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ،
وَقَدْ أَمَرَنَا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِأَلَّا نُصَدِّقَ الْيَهُودَ فِيمَا يَرْوُونَهُ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلَا نُكَذِّبَهُمْ ، فَهَلْ يُمْكِنُ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:"فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ": اقْتَدِ أَيُّهَا الرَّسُولُ - الْخَاتَمُ لِلنَّبِيِّينَ ، الَّذِي أُكْمِلُ عَلَى لِسَانِهِ الدِّينَ - بِالْأَحْكَامِ
الْقَلِيلَةِ الَّتِي نُوحِيهَا إِلَيْكَ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ بَعْدَ سِنِينَ ؟ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَرَعُوا هَذَا الْقَوْلَ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا جَعَلُوهُ حُجَّةً جَدَلِيَّةً لِقَوْلٍ اتَّخَذُوهُ مَذْهَبًا ، وَهُوَ أَنْ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا . وَقَدْ فَصَّلْنَا الْقَوْلَ بِبُطْلَانِهِ وَبُطْلَانِ الِاحْتِجَاجِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْمَائِدَةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا (5: 48) فَيُرَاجَعُ فِي جُزْءٍ التَّفْسِيرِ السَّادِسِ وَبَقِيَّةُ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الرَّازِيُّ دَاخِلَةٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْهَا ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ مَا قَرَّرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ الْوَجْهُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ ، بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ شَوَاهِدِ آيَاتِهِ فِي هَذَا التَّقْرِيرِ .