بَعْدَ كِتَابَةِ مَا تَقَدَّمَ رَاجَعْتُ أَقْوَالَ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَفْسِيرِ مَا بِهِ الِاقْتِدَاءُ فَرَأَيْتُ الرَّازِيَّ لَخَصَّهَا بِقَوْلِهِ: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ فِي الْأَمْرِ الَّذِي أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَهُوَ الْقَوْلُ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ - أَيْ بِاللهِ تَعَالَى - فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ وَسَائِرِ الْعَقْلِيَّاتِ ، وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالصِّفَاتِ الرَّفِيعَةِ الْكَامِلَةِ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى أَذَى السُّفَهَاءِ وَالْعَفْوِ عَنْهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي شَرَائِعِهِمْ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ . وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ كَانَتِ الْآيَةُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا يَلْزَمُنَا - ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ مُقَدِّمَةٍ وَجِيزَةٍ أَنَّ الْمُرَادَ: اقْتَدِ بِهِمْ فِي نَفْيِ الشِّرْكِ وَإِثْبَاتِ التَّوْحِيدِ وَتَحَمُّلِ سَفَاهَاتِ الْجُهَّالِ فِي هَذَا الْبَابِ (قَالَ) : وَقَالَ آخَرُونَ اللَّفْظُ مُطْلَقٌ ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكُلِّ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ الْمُنْفَصِلُ اهـ .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَدَاخِلَةٌ ، وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ ثَانِيهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُفَصَّلٌ وَآخِرُهَا الْمُجْمَلُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ .
وَقَدْ نَظَّمَ الرَّازِيُّ هُنَا جَمِيعَ الْعَقْلِيَّاتِ فِي سَلْكِ أُصُولِ الدِّينِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ وَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَهُ الْأَنْبِيَاءُ وَلَا غَيْرُهُمْ إِلَّا بِنَظَرِ