نَبِيٍّ رَفَعَهُ دَرَجَاتٍ فِي الْكَمَالِ ، وَجَعَلَ دَرَجَاتِ بَعْضِهِمْ فَوْقَ بَعْضٍ ، ثُمَّ أَوْحَى إِلَى خَاتَمِ رُسُلِهِ خُلَاصَةَ سِيَرِ أَشْهَرِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَفِي سَائِرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهُدَاهُمْ ذَاكَ ، وَهَذِهِ هِيَ الْحِكْمَةُ الْعُلْيَا لِذِكْرِ قِصَصِهِمْ فِي الْقُرْآنِ . وَقَدْ شَهِدَ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّهُ كَانَ مُهْتَدِيًا بِهُدَاهُمْ كُلِّهِمْ ، وَبِهَذَا كَانَتْ فَضَائِلُهُ وَمَنَاقِبُهُ الْكَسْبِيَّةُ أَعْلَى مِنْ جَمِيعِ مَنَاقِبِهِمْ وَفَضَائِلِهِمْ ; لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِهَا كُلِّهَا فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْكَمَالِ مَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ ، إِلَى مَا هُوَ خَاصٌّ بِهِ دُونَهُمْ ; وَلِذَلِكَ شَهِدَ اللهُ تَعَالَى لَهُ بِمَا لَمْ يَشْهَدْ بِهِ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فَقَالَ: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) 68: 4 وَأَمَّا فَضَائِلُهُ وَخَصَائِصُهُ الْوَهْبِيَّةُ فَأَمْرُ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِمْ فِيهَا أَظْهَرُ ، وَأَعْظَمُهَا عُمُومُ الْبَعْثَةِ ، وَخَتْمُ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ ، وَإِنَّمَا كَمَالُ الْأَشْيَاءِ فِي خَوَاتِيمِهَا ، صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: (اقْتَدِهْ) لِلسَّكْتِ أَثْبَتَهَا فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ ، وَحَذَفَهَا فِي الْوَصْلِ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِكَسْرِ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ إِشْبَاعٍ ، وَهُوَ مَا يُسَمُّونَهُ الِاخْتِلَاسَ ، وَلَهُمْ فِي تَخْرِيجِهَا وُجُوهٌ .