إذَا ذُكِرَ لَهُ قَضَايَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهَا بِغَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ لَمْ يُمْكِنْ وَزْنُهَا بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ . وَعَامَّةُ هَؤُلَاءِ الْمَنْطِقِيِّينَ يُكَذِّبُونَ بِمَا لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقِيَاسِهِمْ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْجَهْلِ . لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ . فَإِذَا كَانَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِهِمْ لَزِمَ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ عَلَى مَا يُكَذِّبُونَ بِهِ مِمَّا لَيْسَ فِي قِيَاسِهِمْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ .
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا عَلِمُوهُ خَسِيسٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا جَهِلُوهُ فَكَيْفَ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ النَّجَاةَ وَلَا السَّعَادَةَ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ مَا هُوَ عِلْمٌ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ لَيْسَ عِلْمًا وَمَا هُوَ بَاطِلٌ وَلَيْسَ بِعِلْمِ يَجْعَلُونَهُ عِلْمًا . فَزَعَمُوا أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَالْمَعَادِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْوَاقِعِ وَأَنَّهُمْ إنَّمَا أَخْبَرُوا الْجُمْهُورَ بِمَا يَتَخَيَّلُونَهُ فِي ذَلِكَ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ فِي إقَامَةِ مَصْلَحَةِ دُنْيَاهُمْ لَا لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ الْحَقَّ وَأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْكَذِبِ لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ وَيَقُولُونَ إنَّ النَّبِيَّ حَاذِقٌ بِالشَّرَائِعِ الْعَمَلِيَّةِ دُونَ الْعِلْمِيَّةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ الْفَيْلَسُوفَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ . وَعَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَا يُوجِبُونَ اتِّبَاعَ نَبِيٍّ بِعَيْنِهِ لَا مُحَمَّدٍ وَلَا