وَالنَّوْعُ الثَّانِي كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ لَمَّا قِيلَ لَهُ: بِمَاذَا نَعْرِفُ رَبَّنَا قَالَ: بِأَنَّهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا نَقُولُ كَمَا تَقُولُ الْجَهْمِيَّة: إنَّهُ هَاهُنَا . وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَة وَعُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ خِلَافُ ذَلِكَ . وَحَبَسَ هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِي - صَاحِبُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - رَجُلًا حَتَّى يَقُولَ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ثُمَّ أَخْرَجَهُ وَقَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فَقَالَ: أَتَقُولُ إنَّهُ مُبَايِنٌ ؟ فَقَالَ: لَا . فَقَالَ: رُدُّوهُ فَإِنَّهُ جهمي فَالْمُبَايَنَةُ فِي كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَأَمْثَالِهِمْ لَمْ يُرِيدُوا بِهَا عَدَمَ الْمُمَاثَلَةِ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُنَازِعْ فِيهِ أَحَدٌ وَلَا أَلْزَمُوا النَّاسَ بِأَنْ يُقِرُّوا بِالْمُبَايَنَةِ الْخَاصَّةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَمْ يَقُولُوا: بَائِنٌ مِنْ الْعَرْشِ وَحْدَهُ فَجَعَلُوا الْمُبَايَنَةَ بَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ عُمُومًا وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْعَرْشُ وَغَيْرُهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا فِي هَذِهِ الْمُبَايَنَةِ لِإِثْبَاتِ مُلَاصَقَةٍ وَلَا نَفْيِهَا . وَلَكِنْ قَدْ يَقُولُ بَعْضُ الْنُّفَاةِ: أَنَا أُرِيدُ بِالْمُبَايَنَةِ عَدَمُ المحايثة وَالْمُدَاخَلَةِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُدْخِلَ فِي ذَلِكَ مَعْنَى الْخُرُوجِ . وَقَدْ يُوصَفُ الْمَعْدُومُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُبَايَنَةِ فَيَقُولُ: إنَّ الْمَعْدُومَ مُبَايِنٌ لِلْمَوْجُودِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَهَذَا مَعْنًى"رَابِعٌ"مِنْ مَعَانِي الْمُبَايَنَةِ . وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ"الْمُبَايَنَةَ"قَدْ يُرِيدُ بِهَا النَّاسُ هَذَا وَهَذَا فَلَا رَيْبَ أَنْ