قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ مَا وَصَفْنَا مِنْ وَصْفِهِ نَفْسَهُ بِالْبَقَاءِ، وَإِعْلَامِ خَلْقِهِ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَاءَ وَذَلِكُ أَنُّ مِلْكَ الْمَالِكِ إِنَّمَا يَصِيرُ مِيرَاثًا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إِعْلَامًا بِذَلِكَ مِنْهُ عِبَادَهُ أَنَّ أَمْلَاكَ جَمِيعِ خَلْقِهِ مُنْتَقِلَةٌ عَنْهُمْ بِمَوْتِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا أَحَدَ إِلَّا وَهُوَ فَانٍ سَوَاءً، فَإِنَّهُ الَّذِي إِذَا هَلَكَ جَمِيعُ خَلْقِهِ، فَزَالَتْ أَمْلَاكُهُمْ عَنْهُمْ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَكُونُ لَهُ مَا كَانُوا يَمْلِكُونَهَ غَيْرُهُ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَةِ: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِي يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ، سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَعْدَ مَا يَهْلِكُونَ، وَتَزُولُ عَنْهُمْ أَمْلَاكُهُمْ فِي الْحِينِ الَّذِي لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وَصَارَ لِلَّهِ مِيرَاثُهُ وَمِيرَاثُ غَيْرِهِ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ بِمَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ، ذُو خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ، مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ، حَتَّى يُجَازِيَ كُلًّا مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ الْمُحْسِنَ بِالْإِحْسَانِ، وَالْمُسِيءَ عَلَى مَا يَرَى تَعَالَى ذِكْرُهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182) }
ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَآيَاتٍ بَعْدَهَا نَزَلَتْ فِي بَعْضِ الْيَهُودِ، الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ