وأما قوله: وكيف يكلفهم دخول النار، وليس ذلك في وسعهم؟
فليس هذا بمانع من صحة الحديث؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطم وأعظم، وأيضًا فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار؛ فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا (3) ، فهذا نظير ذلك. وأيضًا فإن الله تعالى قد أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضًا، حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفًا، يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل (4) ، وهذا أيضًا شاق على النفوس جدًّا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.
الوجه الثاني: أهل الجاهلية الذين بعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلهم البلاغ وقامت عليهم الحجة.
إن القول بأن هؤلاء القوم لم تصلهم الدعوة ولم يبلغهم دين، قول مخالف للنصوص، بل الصحيح الذي لا مناص منه أن الحجة قامت عليهم، وأنهم وصلتهم دعوة الرسل فأقاموا على كفرهم وشركهم.
أما الدليل على هذا: فهو ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أكئر من نص من الحكم على بعض من مات قبل مبعثه بأنه في النار، ومن ذلك إخباره عن أمه وأبيه وقد سبق.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قلت: يَا رَسُولَ الله، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ:"لَا يَنْفَعُهُ؛ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ".
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيَفْعَلُ كَذَا، قَالَ:"إِنَّ أَبَاكَ أَرَادَ شَيْئًا فَأَدْرَكَهُ".