وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أول مسجد وضع في الأرض، قال:"المسجد الحرام قلت: ثم أيُّ؟ قال: المسجد الأقصى. قال: قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عامًا، ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركت الصلاة فصلِّ". متفق عليه، زاد البخاري:"فإن الفضل فيه"؛ أي: إنِّ آدم بنى الكعبة، ثم بنى بيت المقدس، وبين بنائهما أربعون سنة.
وهذه الآية ردٌّ لشبهة اليهود، أنَّ بيت المقدس أفضل من الكعبة، وأحق بالاستقبال، فهو قد وضع قبلها، وهو أرض المحشر. وقيل: المعنى: إن البيت الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت وضع متعبدًا للناس، بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام للعبادة، ثم بني المسجد الأقصى بعد ذلك بعدة قرون، بناه سليمان عليه السلام سنة (1005) قبل الميلاد، فكان جعله قبلة أَوْلى. وبذا يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - على ملة إبراهيم، ويتوجه بعبادته إلى حيث كان يتوجه إبراهيم وإسماعيل صلوات الله عليه وعليهما.
والخلاصة: أنَّ أول بيوت العبادة الصحيحة التي بناها الأنبياء هو البيت الحرام، فليس في الأرض موضع بناه الأنبياء أقدم منه فيما يؤثر من تواريخهم، ويتبع هذا أولوية الشرف والتعظيم. ثم ذكر فضائل أربعة:
الأول منها ذكره بقوله: {مُبَارَكًا} ؛ أي: حالة كونه ذا بركة، وخير كثير؛ لأنه قد أفيض عليه من بركات الأرض، وثمرات كل شيء مع كونه بواد غير ذي زرع، كما قال تعالى: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} فترى الأقوات والثمار في مكة كثيرة جيدة، وأقل ثمنًا من كثير من البلاد ذوات الخيرات الوفيرة، كمصر والشام، وكل هذا ببركة دعوة إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي} الآية.
وعن أبي هريرة - - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"صلاة في مسجدي هذا، أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام". متفق عليه.