ثم إنه سبحانه لاين أهل الكتاب فِي الخطاب فقال: {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} التي دلتكم على صدق محمد صلى الله عليه وسلم بعد ظهور البينات ودحوض الشبهات ، أو بعد معرفة فضيلة الكعبة ووجوب الحج؟ {والله شهيد على ما تعملون} فيجازيكم عليه . وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته ودلالتها على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم فِي ضلالهم وبخهم على إضلالهم فقال: {لم تصدون عن سبيل الله من آمن} قال المفسرون: وكان صدّهم عن سبيل الله إلقاء الشكوك والشبهات فِي قلوب ضعفة المسلمين ، وإنكار أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم فِي كتابهم ، ومنع من أراد الدخول فِي الإسلام بجهدهم وكدهم ، أو بتذكير ما كان بينهم فِي الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا لمثله . ومحل {تبغونها عوجاً} أو اعوجاجاً نصب على الحال أو بدل وهو بكسر العين الميل عن الاستواء فِي كل ما لا يرى كالدين والقول . وأما الشيء الذي يرى فيقال فيه"عوج"بالفتح كالحائط والقناة ، ولهذا قال الزجاج: العوج بالكسر فِي المعاني وبالفتح فِي الأعيان . وتبغون بمعنى تطلبون ويقتصر على مفعول واحد إذا لم يكن معها اللام مثل"بغيت المال والأج"فإن أريد تعديته إلى مفعولين زيدت اللام . وفالتقدير تبغون لها عوجاً كما تقول: صدتك ظبياً أي صدت لك ظبياً . والضمير عائد إلى السبيل فإنها تذكر وتؤنث . والمعنى إنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها زيفاً كقولكم: إن النسخ يدل على البداء وإن شريعة موسى باقية إلى الأبد وإن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بذلك المنعوت فِي كتابنا أو المراد أنكم تتبعون أنفسكم فِي إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم .