وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَنْ يُدْخُلْهُ يَكُنْ آمِنًا بِهَا، بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، كَنَحْوِ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَنْ قَامَ لِي أَكْرَمْتُهُ: بِمَعْنَى مِنْ يَقُمْ لِي أُكْرِمْهُ، وَقَالُوا: هَذَا أَمْرٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الْحَرَمُ مَفْزَعَ كُلِّ خَائِفٍ، وَمَلْجَأَ كُلِّ جَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُهَاجُ لَهُ ذُو جَرِيرَةٍ، وَلَا يَعْرِضُ الرَّجُلُ فِيهِ لِقَاتِلِ أَبِيهِ وَابْنِهِ بِسُوءٍ، قَالُوا: وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ زَادَهُ تَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا.
عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ، فِي الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: «لَا تُقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي الْحَرَمِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَصَابَهُ فِيهِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَنْ دَخَلَهُ يَكُنْ آمِنًا مِنَ النَّارِ
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ، قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَمَنْ قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَنْ دَخَلَهُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَجَأَ إِلَيْهِ عَائِذًا بِهِ كَانَ آمِنًا مَا كَانَ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِنْ كَانَ أَصَابَ مَا يَسْتَوْجِبُهُ فِي غَيْرِهِ ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَصَابَهُ فِيهِ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِيهِ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنْ يُدْخُلْهُ مِنَ النَّاسِ مُسْتَجِيرًا بِهِ يَكُنْ آمِنًا مِمَّا اسْتَجَارَ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ، حَتَّى يُخْرَجَ مِنْهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا مَنَعَكَ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِيهِ؟
قِيلَ: لِاتِّفَاقِ جَمِيعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَتْ جَرِيرَتُهُ فِي غَيْرِهِ ثُمَّ عَاذَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِجَرِيرَتِهِ فِيهِ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ إِخْرَاجِهِ مِنْهُ لِأَخْذِهِ بِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: صِفَةُ ذَلِكَ مَنْعُهُ الْمَعَانِي الَّتِي يُضْطَرُّ مَعَ مَنْعِهِ وَفَقْدِهِ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ.